الشوكاني

288

فتح القدير

ذات الشوكة ، وهي طائفة النفير ، قال أبو عبيدة : أي غير ذات الحد ، والشوكة : السلاح ، والشوكة : النبت الذي له حد ، ومنه رجل شائك السلاح : أي حديد السلاح ، ثم يقلب فيقال شاكي السلاح ، فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك ، والمعنى : وتودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ، وهي طائفة الغير لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها . قوله ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ) معطوف على ( تودون ) وهو من جملة ما أمروا بذكر وقته : أي ويريد الله غير ما تريدون وهو أن يحق الحق بإظهاره لما قضاه من ظفركم بذات الشوكة . وقتلكم لصناديدهم ، وأسر كثير منهم ، واغتنام ما غنمتم من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم وراموا دفعكم بها ، والمراد بالكلمات : الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة ، ووعدكم منه بالظفر بها ( ويقطع دابر الكافرين ) الدابر الآخر ، وقطعه عبارة عن الاستئصال . والمعنى : ويستأصلهم جميعا . قوله ( ليحق الحق ويبطل الباطل ) هذه الجملة علة لما يريده الله : أي أراد ذلك ، أو يريد ذلك ليظهر الحق ويرفعه ( ويبطل الباطل ) ويضعه ، أو اللام متعلقة بمحذوف : أي فعل ذلك ليحق الحق ، وقيل متعلق بيقطع ، وليس في هذه الجملة تكرير لما قبلها لأن الأولى لبيان التفاوت فيما بين الإرادتين ، وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك . والعلة المقتضية له ، والمصلحة المترتبة عليه . وإحقاق الحق إظهاره ، وإبطال الباطل إعدامه - بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق - ومفعول ( ولو كره المجرمون ) محذوف : أي ولو كرهوا أن يحق الحق ويبطل الباطل ، والمجرمون هم المشركون من قريش ، أو جميع طوائف الكفار . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بالمدينة ، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت فقال " ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا ، فخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتعاد ، ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر ، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدتنا ، فسر بذلك وحمد الله وقال : عدة أصحاب طالوت ، فقال : ما ترون في قتال القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم ، فقلنا : يا رسول الله ، لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ، إنما خرجنا للعير ، ثم قال : ما ترون في قتال القوم ؟ فقلنا مثل ذلك ، فقال المقداد : لا تقولوا كما قال قوم موسى لموسى - اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون - فأنزل الله ( كما أخرجك ربك ) إلى قوله ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين ، إما القوم وإما العير ، طابت أنفسنا ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إني أنشدك وعدك ، فقال ابن رواحة : يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من أن يشير عليه ، إن الله أجل وأعظم من أن تنشده وعده ، فقال : يا ابن رواحة لأنشدن الله وعده ، فإن الله لا يخلف الميعاد ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وجوه القوم فانهزموا ، فأنزل الله ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) فقلنا وأسرنا ، فقال عمر : يا رسول الله ما أرى أن يكون لك أسرى فإنما نحن داعون مؤلفون ، فقلنا : يا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا ، فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم استيقظ فقال : ادعوا لي عمر ، فدعى له فقال : إن الله قد أنزل علي - ما كان لنبي أن يكون له أسرى - الآية " وفي إسناده ابن لهيعة ، وفيه مقال معروف . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن مردويه عن محمد بن عمرو ابن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال : كيف ترون ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله بلغنا أنهم كذا وكذا ثم خطب